الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
349
نفحات القرآن
وقد وردت هذه الكلمة أيضاً بخصوص نعم الجنّة في آيات كثيرة من القرآن الكريم والتي سبقت الإشارة إليها في بحث نِعَم الجنّة . لنرى الآن ما معنى « الخلود » في اللغة ، وما معناه عند المفسّرين : فسَّر لسان العرب كلمة الخلود بمعنى دوام البقاء في دار لا يخرج منها وأطلق للآخرة ( دار الخلد ) لبقاء أهلها فيها . وفي مقاييس اللغة ذكر معنىً واحداً لأصل الكلمة وهو الثبات والبقاء والتلازم . وورد نفس هذا المعنى أيضاً في « صحاح اللغة » وكتب أخرى . لكن الراغب قال في « المفردات » : إنّ معناها الأصلي هو تبرّي الشيء من عروض الفساد وبقاؤه على الحالة التي هو عليها ، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود ، ويقال للذي يبقى مدة طويلة ، وفيه قيل : رجل مخلّد لمن أبطأ عنه الشيب . وعلى كل الأحوال نستخلص من مجموع كلمات أصحاب اللغة رأيين مختلفين . الأول : هو المعنى الدال على الدوام والبقاء والأبدية ، وإن اطلق على طول العمر فهو من باب التشبيه ليس إلّا . والثاني : طول العمر ، وإذا اطلق على الدوام والأبدّية فهو من باب البيان المطلق . وللمفسرين أيضاً آراء مختلفة في هذا الصدد . فقد صَرّح بعضهم : إنّ « الخلود » هنا يعني الاستمرار والدوام الذي لا انتهاء له مطلقاً « 1 » . وقال آخرون إنّ معناه الحقيقي هو الاستمرار والتواصل والدوام ومعناه المجازي المدّة الطويلة ، أمّا الاستخدام القرآني للكلمة فهو بالمعنى الأول « 2 » . وذكر بعضهم نفس هذا المعنى بتعبير آخر وهو أنّ الخلود في اللغة يعني المكث الطويل كما هو الحال في قولنا للسجن المؤبد والفترات الطويلة الأمد ، فنقول مثلًا خُلِّد فلان في السجن ، أمّا في لسان الشرع فيعني الأبدية « 3 » .
--> ( 1 ) . الطبرسي في مجمع البيان . ( 2 ) . تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 207 . ( 3 ) . تفسير المراغي ، ج 1 ، ص 69 .